مقالات

مغامرو كهف هوا فطيح .. قصة تسعة أركيولوجيين من ليبيا

 

  • جوليو لوكاريني – جامعة كامبريدج
  • ترجمة: أنس أبومّيس

مع وجود داعش على مرمى حجر منهم، أنهى بعض من الأركيولوجيين الليبيين الشجعان حفريات كهف هوا فطيح في برقة بشمال أفريقيا. ويحكي قصتهم الأركيولوجي د.جوليو لوكاريني من جامعة كامبريدج.
يقول أحمد سعد، الأركيولوجي بجامعة بنغازي: “يمكننا فعلها وحدنا. مازال بإمكاننا العمل بأمانٍ كافٍ. سنكون دقيقين وسريعين”.

أبطالٌ حقيقيون وأصحاب قلوبٍ كريمة: هؤلاء هم الأركيولوجيون الليبيون الذين، ومع وجود داعش على مرمى حجر منهم، قد أنجزوا مهمّة إتمام حفريات كهف هوا فطيح في برقة، وهو أحد أهم المواقع ما قبل التاريخية في أفريقيا كلها. في 2013، عندما اضطر فريق الباحثين الدوليين بالموقع إلى إيقاف عملهم، قام تسعة أركيولوجيين ليبيين – امرأتان وسبعة رجال – بإتمام الحفريات بنجاح بأنفسهم محافظين على أسراره للأجيال القادمة. وبذا يمكن كتابة تاريخ المجموعات البشرية على طول ساحل شمال أفريقيا خلال الـ100 ألف سنة الأخيرة.

هوا فطيح هو في الواقع أكبر كهف كارستيّ في حوض المتوسّط (بقياس 80 * 20 متراً) وهو مفتوح على البحر على مسافة قصيرة من مدينة سوسة، أبولونيا القديمة. إنه نوعٌ من المأوى الطبيعي، سكنه البشر دون انقطاع من فترات ما قبل التاريخ حتى الآن. قد دُرس للمرة الأولى بين 1951 و1955 من قبل تشارلز مكبورني، وهو أركيولوجي من جامعة كامبريدج، ذات الجامعة التي استأنفت البحث في 2007 تحت إشراف البروفسور قرايم باركر، بالتعاون مع مصلحة الآثار الليبية وفريق من الباحثين الدوليين، بما فيهم أنا.

6

ابتداءً من الطبقات الدنيا، على عمق 15 تحت السطح الحالي ومرتبطاً بالعصر الحجري القديم الأوسط، يأخذنا الكهف في رحلة آخّاذة عبر الزمن. نتحرك أولاً عبر الطبقات التي تعود إلى 70,000 سنة مضت حيث اكتشفت البقايا الإنسانية الوحيدة في الموقع، وهي قطعتان من فكٍ سفليّ للهوموسيبيان [الإنسان العاقل]: وهي شهادةٌ مؤثرة عن وصول أسلافنا إلى ساحل شمال أفريقيا. ثم يمكننا فحص طبقات العصر الحجري القديم الأعلى على طريقنا إلى العصر الحجري الحديث، حيث الظهور الأول في شمال أفريقيا لأنواع من الحيوانات المستأنسة ونباتات بلاد الشام. وبالاستمرار في رحلتنا نحو السطح، عبر طبقات ترجع إلى الفترة الكلاسيكية ومن ثم إلى طبقات أحدث، نصل إلى العصر الحالي. مثل صورة مجمّدة رائعة قد امتدت لآلاف السنين، مازال هذا الكهف مستخدماً حتى يومنا من قبل عائلات الرعاة، كمأوىً للماشية. إن له احتراماً كبيراً عند السكان المحليين.

رغم عدم الإستقرار في ليبيا الذي تبع سقوط نظام القذافي في 2011، واصلنا العمل في هوا فطيح – وإن كان ذلك بصعوبة بالغة – حتى سبتمبر 2012 عندما اغتيل السفير الأمريكي لليبيا كريس ستيفنز في بنغازي. وصلتنا الأخبار المريعة عندما كنا ننقّب في الكهف. أصابنا إحساس عميق بالخسارة، ولكن أيضاً بالقلق على سلامتنا. غادرنا ليبيا بعد بضعة أيام، وبعد عدة أشهر من التردد وحملة قصيرة جدا في 2013، قرر قرايم باركر على مضض إيقاف الحفريات. داعش قد سيطرت تماماً على مدينة درنة، على بعد 60 كيلومتراً شرق هوا فطيح، وكان الخطر على سلامتنا أكبر مما يُحتمل.

ولكن زملاءنا الليبيين استمروا في مراقبة الهوة العظيمة المفتوحة، وبعد فترة قصيرة أخبرونا بأن جدرانها، المكشوفة منذ 2008، لن تظل قائمة لفترة طويلة. من أجل حماية وإنهاء عمل سنواتٍ، كان ينبغي أن تختتم الحفريات بأسرع وقت ممكن. يقول أحمد سعد امراجع، الأركيولوجي بجامعة بنغازي: “يمكننا فعلها وحدنا. مازال بإمكاننا العمل بأمانٍ كافٍ. سنكون دقيقين وسريعين.” لذلك، ودون أي تأخير، انتقلت “رئاسة” العمليات إلى أحمد وفريقه من الأركيولوجيين المحليين: فضل عبدالعزيز، أكرم الورفلي، معتز الزاوي، سعد بويادم، بدر شماطة، أسماء سليمان، ريما سليمان، وأيمن العرفي.

22222

من هم هؤلاء الـ “العظماء التسعة”. إنهم، أولاً وأخيراً، أركيولوجيون شغوفون ومحترفون جادّون. أحمد وفضل هم “آباء” المجموعة، دائماً مستعدون لإرشاد وتشجيع من هم أصغر سناً. ثم هناك معتز، “العملاق اللطيف” الذي لا يعرف الكلل. ثم هناك جريئان أصغر سناً وهما أكرم وسعد، واللذان، بعد يوم من الحفريات، يحبان الغطس من منحدرات الاثرون الجميلة. وأيضاً هناك بدر وأيمن، الذين يحرصان دوماً أن بقية الفريق لديهم شايٌ في أكوابهم، وأرجيلة ليدخنوا. ثم هناك الأختان أسماء وريما، صاحبتا الإرادة الحديدية. تسعة أشخاص مختلفين، تسع قصص مختلفة، وحّدهم شغف عظيم بوطنهم ليبيا، ورغبة واحدة لا تتزعزع، وهي الحفاظ على بلادهم وتاريخها.  

بدأت حملة الحفريات الأولى في 9 مايو 2015، وكان يفترض أن تستمر لشهرين، ولكنها أوقفت بعد أربعة أسابيع فقط. أخبرني أحمد أنه “بعد بدء العمل دون أي مشاكل، تدهور الوضع بسرعة. أخبرتنا مصادر محلية أنه قد تم رؤية مسلحي داعش في منطقة سوسة. عندما كنا نعبر المدينة، كنا غالباً نسمع إطلاق النار وصوت الصراخ. كنا خائفين، ولكن لم نرد أن نتوقف. خلال الحملات على مواقع داعش في درنة، حامت طائرات ومروحيات قوات الجوية الليبية فوق الكهف. ولم نكن أبداً متأكدين أنهم على علم بوجودنا في المنطقة، وتخوفاً من أن يظنوا خطاً أننا إرهابيون، كنا نجري لأخذ ساترٍ في بطن الكهف كلما سمعنا صوت طائرات مقتربة. أتذكر يوماً أنني كنت أحمل على كتفي أنبوبا بلاستيكيا طويلاً كنا نخزن فيه الرسومات الستراتيقرافية للحفريات، وعند سماع صوت مروحية مقتربة جذب فضل الأنبوب ورماه بعيداً عنّا، خوفاً من أن يُعتقد خطأً أنه قاذف صواريخ. كنا متوترين جداً، وأخيراً عندما ابتعت المروحية، نظرنا إلى بعضنا وانفجرنا ضاحكين”.

” كان خوفنا يتعاظم ولكننا تابعنا العمل. ولكن، يوماً ما، جاء صديقٌ وهو يجري، ويصيح بأنه قد رأى ليلة البارحة رجالاً ملثمين في محيط الكهف، يكاد يجزم بأنهم مسلحو داعش. وبعد قليل جاءت شرطة سوسة وأجبرتنا على إيقاف العمل. لم يكن من السهل إقناع الشباب بأنه لم يعد بمقدورنا الاستمرار. كانوا يكررون القول “مازال بإمكاننا العمل بأمانٍ كافٍ. سنكون دقيقين وسريعين” ولكننا جمعنا معداتنا بتردد وتركنا الكهف.

ولكن هذه لم تكن النهاية أبداً. بعد شهرين، وبفضل تحرير درنة من ميليشا داعش، عاد “العظماء التسعة” إلى الكهف واستطاعوا أخيراً إنهاء الحفريات. تنهّد أحمد قائلاً: “لا تسمونا بالأبطال” عندما أخبرته أننا سنسرد مغامرتهم. ” لم نقم إلا بما ينبغي علينا عمله، كأركيولوجيين وكليبيين”. ولكن، في بلد مثل ليبيا، حيث الإرث الثقافي في خطرٍ عظيم، فإنّ إنجاز زملائنا كان استثنائياً من حيث دلالته، إذ بيّن أن الليبيين لم يستسلموا، وأنهم يرغبون في استعادة إرثهم الثقافي وتحديد مصيره بأنفسهم.


د.جوليو لوكاريني أستاذ زميلٌ باحث بمعهد مكدونالد للبحوث الأركيولوجية في كامبريدج. تم تمويل الحفريات في هوّا فطيح بشكلٍ رئيسي من قبل المجلس الأوروبي للبحوث، مع تمويل إضافيّ من جمعية الدراسات الليبية، راعي المشروع.

 

 

شارك
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

تعليقات فيسبوك